سلسة مقالات بصرك اليوم حديد

حين يختلط الواقع بالخيال

في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة هي المصدر الوحيد للمعلومة، بل واحدة من عدة روايات متنافسة، يصبح الخلط بين الواقع والخيال أمرًا متعمدًا لا عارضًا. لم نعد نعيش فقط وسط أحداث متسارعة، بل داخل سرديات تُصاغ بعناية، يُعاد تدويرها حتى تكتسب صفة الواقع، ولو كانت بعيدة عنه كل البعد.

المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فيضها. فحين تتراكم الأخبار دون تحقق، وتُقدَّم الآراء في صورة حقائق، يصبح الخيال أكثر جاذبية من الواقع، وأكثر قابلية للتصديق. وهنا تتحول الأكاذيب المكررة إلى “حقائق شائعة”، بينما يُشكَّك في الحقيقة لأنها أقل إثارة.

الأخطر من ذلك أن هذا الخلط لا يؤثر فقط على وعي الأفراد، بل يعيد تشكيل الرأي العام، ويوجّه القرارات، ويصنع مواقف جماعية قائمة على تصورات غير دقيقة. فحين يُبنى الحكم على انطباع، يصبح الخطأ نتيجة طبيعية، ويغدو التراجع عنه ضعفًا لا تصحيحًا.

المسؤولية هنا لا تقع على صُنّاع المحتوى وحدهم، بل على المتلقي أيضًا. فالعقل الذي يستهلك دون تمحيص، يساهم في ترسيخ الوهم، ويمنح الخيال سلطة لم يكن ليستحقها. الوعي الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن مشاركة كل ما يُقال، ونبدأ في السؤال عمّا لم يُقَل.

الواقع، مهما كان قاسيًا أو معقدًا، يظل أقل خطرًا من خيال مُزيَّف يُقدَّم باعتباره حقيقة. وبين الاثنين، يقف الوعي كخط الدفاع الأخير، إما أن نستخدمه، أو نسمح للضباب أن يقودنا حيث لا نريد.
ومن هنا، لا يكون هذا المقال سوى بداية لسلسلة مقالات تهدف إلى كسر الضباب، ومواجهة الخلط المتعمد بين الواقع والخيال، عبر قراءة مباشرة، حادة، ومسؤولة لما يدور حولنا. فالفهم لم يعد ترفًا، والحياد أمام التشويش لم يعد خيارًا

سلسلة: بصرك اليوم حديد
تصدر كل يوم أحد وأربعاء
بقلم: كريم شعبان