سلسة مقالات بصرك اليوم حديد

ما بذرة الخلاف بين قابيل وهابيل

ما بذرة الخلاف بين قابيل وهابيل… وهل قابيل يعيش بيننا الآن؟

ليست كل الجرائم وليدة لحظة غضب، وبعضها لا يبدأ بسكين

بل بفكرة. وقصة قابيل وهابيل، التي تُختزل غالبًا في أول جريمة قتل في التاريخ

أعمق بكثير من فعل القتل ذاته. فهي ليست حكاية دمٍ سُفك،

بل مرآة مبكرة لطبيعة صراعٍ ما زال يتكرر حتى اليوم.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا قتل قابيل أخاه؟

بل: ما الذي زُرِع داخله قبل أن تمتد يده؟

بذرة الخلاف لم تكن الغيرة وحدها، بل رفض القبول. قُدِّم القربان

فَقُبِل من أحدهما ولم يُقبل من الآخر. هنا لم يُطلب من قابيل سوى مراجعة نفسه

لكنّه اختار طريقًا آخر: تحويل الإخفاق إلى عداوة، والاختلاف إلى صراع.

قابيل لم يعترض على الله صراحة، بل اعترض على النتيجة. لم يُنكر الخطأ

لكنه رفض تحمّل مسؤوليته. وهنا تكمن الخطورة؛ حين يتحول الشعور بالظلم الذاتي

إلى مبرر لإقصاء الآخر. فالقتل لم يكن رد فعل لحظي، بل نتيجة تراكم داخلي: حقد، مقارنة

وشعور بالاستحقاق.

هابيل، في المقابل، لم يكن أضعف، بل كان أوعى. قدّم نموذجًا مختلفً

قبول الحكم، وضبط النفس، ورفض الانزلاق إلى العنف.

الصراع هنا لم يكن بين أخوين فقط، بل بين من يقبل المراجعة، ومن يرفضها.

وهنا يأتي السؤال الأخطر:

هل انتهى قابيل عند تلك اللحظة في التاريخ؟

أم أنه ما زال يعيش بيننا بأشكال مختلفة؟

قابيل ليس شخصًا، بل نمط تفكير. نراه في كل من يبرر فشله بإقصاء غيره،

وفي كل من يحوّل الخلاف إلى عداوة، والاختلاف إلى صراع صفري.

يعيش في خطاب الكراهية، وفي تقديس القوة، وفي الاعتقاد أن إزالة الآخر تعني إثبات الذات.

أما هابيل، فليس رمزًا للضعف كما يُصوَّر أحيانًا، بل رمز للاتزان.

رمز لمن يفهم أن القبول لا يُنتزع بالقوة، وأن التفوق لا يُثبت بإلغاء الآخرين.

قصة قابيل وهابيل لم تكن حدثًا عابرًا، بل تحذيرًا مبكرًا.

تحذيرًا من اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من محاسبة الذات إلى محاكمة الآخر،

ومن السعي للإصلاح إلى تبرير الإقصاء.

قابيل لا يزال بيننا…

كلما اختار إنسان أن يقتل الفكرة بدل مناقشتها،

أو يُقصي الآخر بدل مراجعة نفسه.

بقلم: كريم شعبان