قائد الإطفاء ليس أعلى رتبة في موقع الحادث فقط، بل هو العقل المركزي الذي تتجمع
عنده خيوط الزمن والخطر والإنسان في لحظة الاشتعال الأولى لا يكون التحدي الحقيقي
هو اللهب ذاته، بل كيف يُدار المشهد، وكيف تُحفظ الأرواح،
وكيف يُستهلك الزمن دون أن يستهلك الفريق مهام قائد الإطفاء تتجاوز إصدار الأوامر
إلى بناء صورة كلية، وضبط الإيقاع، ومنع الانهيار قبل أن يبدأ
أولًا القراءة الأولى للمشهد (التقييم اللحظي)
أولى مهام قائد الإطفاء هي القراءة السريعة العميقة للحادث
لا يبحث عن كل التفاصيل، بل عن العناصر الحاكمة
طبيعة الحريق (مفتوح، محصور، متسارع، كامن)
مصادر الخطر الثانوية (غاز، وقود، كهرباء، ضغط)
حركة الدخان والحرارة واتجاه الرياح
حالة المنشأة أو الطائرة أو الموقع الإنشائي
هذه القراءة لا تُبنى على الانفعال، بل على الخبرة المركّزة التي تلتقط الإشارات قبل
أن تتحول إلى كوارث
ثانيًا اتخاذ القرار الأول – صناعة المسار
القرار الأول لا يطفئ الحريق، لكنه يحدد مصير الحادث كله
من مهام القائد هنا
تثبيت السيطرة ومنع الفوضى
اختيار استراتيجية عامة (هجوم مباشر – احتواء – دفاع – إخلاء)
حماية الأرواح قبل حماية الأصول
القائد الواعي يدرك أن الاندفاع المبكر قد يحرق الفريق قبل أن يحرق النار
ثالثًا تنظيم الفرق وتوزيع الأدوار
قائد الإطفاء لا يعمل بيديه، بل بعقول الآخرين
تشمل مهامه
توزيع الفرق وفق الكفاءة لا وفق الرغبة
تحديد مسؤوليات واضحة لكل فريق (إطفاء – إنقاذ – تهوية – دعم)
منع تضارب الأوامر وتعدد مصادر القرار
في الحوادث الكبرى، الفوضى التنظيمية أخطر من اللهب نفسه
رابعًا إدارة الزمن الحرج
الزمن في الحريق ليس خطًا مستقيمًا
هناك زمن يتسارع، وزمن ينهار فجأة، وزمن يخدع القائد غير الواعي
من مهام القائد
تقدير ما تبقى قبل الانفجار أو الانهيار
تحديد نقاط التوقف والانسحاب قبل فوات الأوان
الموازنة بين السرعة والسلامة
القائد الحقيقي لا يسأل كم نحتاج من الوقت
بل يسأل كم من الوقت بقي لنا؟
خامسًا حماية العنصر البشري
الفريق هو رأس المال الحقيقي
ومن أهم مهام قائد الإطفاء
مراقبة الإجهاد الحراري والنفسي
منع التهور الفردي أو البطولة الزائفة
اتخاذ قرار الانسحاب حين يصبح الاستمرار تهديدًا للحياة
القائد الذي يخسر أفراده لا يربح أي حريق
سادسًا التواصل والسيطرة على المعلومة
التواصل في الحادث ليس نقل كلام، بل ضبط وعي
القائد مسؤول عن وضوح التعليمات وقصرها
منع الشائعات والتقديرات غير المؤكدة ، الحفاظ على قناة واحدة للقرار
كل كلمة زائدة في موقع الحريق قد تتحول إلى خطأ قاتل
سابعًا التكيف مع تطور الحادث
لا يوجد حريق يلتزم بالخطة من مهام القائد
مراجعة القرار لحظة بلحظة ، تعديل الخطة دون تردد أو عناد
الانتقال من الهجوم إلى الدفاع أو العكس بوعي ، المرونة هنا ليست ضعفًا، بل ذكاء قيادي
ثامنًا إنهاء الحادث وإدارة ما بعد الإطفاء
تنتهي النار، لكن القيادة لا تنتهي ، القائد مسؤول عن
التأكد من الإخماد الكامل ومنع إعادة الاشتعال ، تأمين الموقع وحماية الفرق أثناء التفكيك
التقييم الأولي للأداء واستخلاص الدروس ، ما بعد الحادث هو ما يصنع القائد للمرة القادمة
خاتمة
قائد الإطفاء ليس بطلًا يبحث عن صورة، بل حارس منظومة ي
حمي الإنسان والزمن والعقل وسط الفوضى
نجاحه لا يُقاس بارتفاع اللهب الذي واجهه، بل بعدد الأرواح التي عادت،
وبفريق لم ينكسر،وبحادث انتهى دون أن يترك ندبة في الوعي التنظيمي
القائد الذي يفهم مهامه بهذا العمق
لا يطارد النار…بل يجعلها تتحرك داخل حدوده
