ليست كل السقوطات تبدأ بإنكار الحق،
ولا كل الهزائم تولد من جهلٍ به.
أحيانًا… يكون الإنسان أقرب ما يكون إلى الحقيقة،
ثم يسقط لأنه رفض أن ينحني لها.
إبليس لم يكن جاهلًا بالله،
ولم يكن منكرًا لوجوده،
بل كان يعلم، ويخاطب، ويعرف المقام.
ومع ذلك… سقط سقوطًا أبديًا.
المعرفة لم تنقذه
إبليس عرف الله أكثر مما عرفه كثيرون بعده،
ورأى من آياته ما لم يره بشر،
وسمع الأمر الإلهي واضحًا لا لبس فيه.
لكن المعرفة وحدها لم تكن كافية.
أخطر أنواع الضلال
أن تعرف الحقيقة
ثم ترى نفسك فوقها.
السقوط الحقيقي
إبليس لم يقل: لا أؤمن.
بل قال: أنا أفضل.
وهنا كانت الكارثة.
لم يكن اعتراضه على الأمر،
بل على من وُجّه إليه الأمر.
لم يحتمل أن يسجد لمن يراه أقل منه،
ففضّل أن يخسر كل شيء
على أن يتنازل عن صورة رسمها لنفسه.
الكِبر… أصل كل انحراف
الكِبر ليس مجرد صفة أخلاقية سيئة،
بل مرض فكري خطير.
الكافر قد يبحث،
وقد يسأل،
وقد يعود.
أما المتكبر…
فقد حسم أمره سلفًا.
الكِبر لا يقول: هذا باطل
بل يقول: أنا لا أُخطئ.
لماذا كان ذنبه أخطر؟
لأنه لم يكن جهلًا،
بل إصرارًا واعيًا.
لم يكن غفلة،
بل قرارًا.
إبليس لم يُضلّ لأنه لم يعرف الطريق،
بل لأنه رأى الطريق
وقال: لن أسلكه إن لم يكن على مقاسي.
إسقاط مؤلم على الواقع
كم شخص اليوم يشبه إبليس أكثر مما يظن؟
•يعرف الحق… لكنه لا يقبله
•يسمع النصيحة… لكنه يرفضها
•يرى الخطأ… لكنه يبرره
ليس لأنه لا يفهم،
بل لأنه لا يريد أن يعترف
أنه أخطأ يومًا
إبليس لم يكن كافرًا…
بل كان مغرورًا.
لم يهلك لأنه أنكر الله،
بل لأنه ظن أن مكانته أعلى من الطاعة.
وهنا السؤال الذي يجب أن يقلقنا:
كم إبليسًا صغيرًا يعيش داخلنا؟
ذلك الصوت الذي يقول:
•أنا أعرف أكثر
•أنا أدرى
•لن أراجع نفسي
فإن كان إبليس قد سقط
وهو يعلم،
فكيف ننجو نحن
إن رفضنا التواضع؟
سلسلة: بصرك اليوم حديد
تصدر كل يوم أحد وأربعاء
بقلم: كريم شعبان
