هل كذب النمرود على قومه… أم صدّق كذبته؟
ليست كل الأكاذيب متساوية،
فبعضها يُقال ليُخدع به الآخرون،
وبعضها يُقال حتى يطمئن قائلُها نفسه.
قصة النمرود ليست مجرد حكاية طاغية ادّعى الألوهية،
بل قصة كذبةٍ كبرت حتى ابتلعت صاحبها.
البداية: كذب يعرف صاحبه أنه كذب
في بداياته، لم يكن النمرود يعتقد حقًا أنه إله.
كان يعلم أنه بشر،
لكنه اكتشف مبكرًا أن ادّعاء التفوق المطلق
يصنع الخوف،
والخوف يصنع الطاعة.
كانت الكذبة أداة:
•لتثبيت الحكم
•لإسكات المعارض
•لإخضاع القلوب قبل الأجساد
في هذه المرحلة، كان النمرود كاذبًا واعيًا.
حين تُكافَأ الكذبة
كلما صدّق الناس الكذبة،
كبرت في عين صاحبها.
•الأصوات المخالفة خفتت
•الاعتراض اختفى
•الطاعة أصبحت تلقائية
وهنا حدث التحول الخطير:
الكذبة لم تعد مجرّد وسيلة،
بل صارت أساس الواقع.
السلطة الطويلة لا تغيّر القوانين فقط…
بل تغيّر العقول.
لحظة تصديق الكذبة
حين قال النمرود:
أنا أحيي وأميت
لم يكن يستعرض فحسب،
بل كان يرى في قراراته حياةً وموتًا بالفعل.
القتل عنده موت،
والعفو حياة.
وهكذا، اختلط المعنى بالسلطة،
حتى ظن أن التحكم في المصير
هو الألوهية ذاتها.
أخطر ما في الطغيان
أن يخلط الإنسان بين القدرة والحق.
الهزيمة بالحجة
حين واجهه الحق بحجة لا تُرد:
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب
لم يستطع الرد.
لم يجادل.
لم يناقش.
بل بُهِت.
وهنا انكشف كل شيء:
النمرود لم يكن صاحب فكرة،
بل صاحب قوة فقط.
وحين تسقط القوة أمام العقل،
لا يبقى إلا العنف.
النار… لغة العاجز
لم يشعل النار ليُقنع،
بل ليُخيف.
لم يُرد إثبات الحق،
بل سحق السؤال.
حين تفشل الكذبة في الإقناع،
تلجأ إلى الحريق.
النمرود لم يهلك لأنه كذب،
بل لأنه صدّق كذبته.
الكذبة الأولى كانت جريمة،
أما تصديقها… فكان نهاية العقل.
والسؤال الذي يجب أن يطاردنا ليس:
هل كذب النمرود؟
بل:
كم نمرودًا اليوم لا يقول “أنا إله”،
لكنه يتصرّف كأنه لا يُسأل،
ولا يُراجع،
ولا يُخطئ؟
وكم شعبًا يصفّق للكذبة
حتى تُصبح حقيقة…
ثم يتساءل متأخرًا:
كيف وصلنا إلى هنا؟
⸻
سلسلة: بصرك اليوم حديد
تصدر كل يوم أحد وأربعاء
بقلم: كريم شعبان
