قائد الطوارئ الجوية لا يبدأ دوره عند سماع صافرة الإنذار ولا عند ورود البلاغ الأول، بل يبدأ قبل ذلك بكثير
في تلك المنطقة الصامتة التي تتكوّن فيها نظرته للعالم، حيث يتشكل وعيه بالزمن، وبالهشاشة،
وبأن الطائرة ليست مجرد معدن يحترق، بل منظومة بشرية ونفسية وإعلامية واقتصادية يمكن أن تنهار في دقائق
إن أخطأ القرار الأول هو قائد يعرف أن الطوارئ الجوية لا تمنح ترف التجربة ولا تسمح بالتصحيح المتأخر
وأن أول ثانية في الحادث ليست زمنًا تشغيليًا فقط بل لحظة تشكيل للمصير الكامل للحادث
في اللحظة الأولى لوصول البلاغ، لا ينشغل قائد الطوارئ الجوية بالسؤال التقليدي عمّا حدث فقط،
بل عمّا لم يُقَل بعد يعرف أن المعلومات الأولى دائمًا ناقصة ومشوّهة، وأن الخطر الحقيقي هو التعامل
معها كحقائق مكتملة لذلك يتعامل مع البلاغ كإشارة، لا كحقيقة، ويبدأ عقله فورًا في بناء سيناريوهات متعددة متوازية،
لا سيناريو واحد في داخله يعمل نظام صامت من المقارنات: نوع الطائرة، موقعها، مرحلة الطيران،
عدد الركاب، طبيعة الوقود،
اتجاه الرياح، قربها من مباني الركاب أو المدارج الأخرى كل ذلك يحدث دون استعراض أو ضجيج،
لأن القائد في هذه اللحظة لا يقود بالصوت، بل بالتركيز
مع انتقاله إلى موقع القيادة أو غرفة العمليات، لا يكون هدفه السيطرة الشكلية، بل خلق مركز ثقل ذهني
يعرف أن الفرق الميدانية مهما بلغت كفاءتها، ستبحث لاشعوريًا عن مرجعية نفسية قبل المرجعية التكتيكية
لذلك يضبط نبرة صوته، إيقاع أوامره،ولغة جسده، لأنه يعلم أن الارتباك ينتقل أسرع من النار، وأن القائد المرتبك
يصنع فوضى حتى لو كانت خطته صحيحة في هذه المرحلة،
لا يتكلم كثيرًا، بل يتكلم بدقة، ويترك الصمت يعمل لصالحه
حين تبدأ أولى الوحدات في الوصول، يدرك قائد الطوارئ الجوية أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اندفاع غير منسّق باسم السرعة
السرعة هنا ليست في الحركة، بل في القرار الصحيح في التوقيت الصحيح لذلك يركز على تثبيت المشهد قبل تغييره،
وعلى فهم ما إذا كان الحادث يتجه للتصاعد أم للاحتواء يعرف أن الطائرات تحترق بطريقة مختلفة عن أي منشأة أخرى،
وأن النار في الطائرة ليست مجرد لهب، بل تفاعل معقّد بين الوقود والمواد المركبة والضغط والحرارة،
وأن أي هجوم غير محسوب قد يحوّل حادثًا قابلًا للسيطرة إلى كارثة شاملة
مع تطور الحدث، يبدأ القائد في إدارة الزمن لا الحدث فقط الزمن هنا عدو وصديق في آن واحد كل دقيقة تأخير
قد تعني خسارة أرواح، وكل ثانية تسرّع غير محسوبة قد تعني انهيار الخطة لذلك يعمل على تقسيم الزمن ذهنيًا إلى نوافذ قرار،
يعرف متى يضغط ومتى ينتظر، ومتى يسمح للفريق بالاستمرار، ومتى يفرض الانسحاب التكتيكي الانسحاب
في الطوارئ الجوية ليس هزيمة، بل أحيانًا أعلى درجات القيادة، لأنه يحفظ القوة للضربة التالية بدل استنزافها في لحظة خاطئة
في ذروة الحادث، حين تتصاعد الأصوات وتتداخل البلاغات وتتسارع الصور، يتحول قائد الطوارئ الجوية إلى مرشح للمعلومات
لا يستقبل كل شيء، ولا يرفض كل شيء، بل ينتقي ما يخدم القرار التالي يعرف أن كثرة المعلومات قد تكون أخطر من نقصها،
وأن القائد الذي يغرق في التفاصيل يفقد الصورة الكبرى لذلك يترك التفاصيل التكتيكية للقادة الميدانيين، ويركز هو على الاتساق العام
سلامة الفرق، اتجاه تطور الحريق، وضع الركاب، احتمالات الانفجار، والبعد الإعلامي الذي يتحرك بالتوازي دون انتظار الإذن
في إدارة الفرق، لا يستخدم القائد لغة البطولة ولا الخطابات الحماسية، بل لغة الأمان يذكّر الفرق أن حياتهم ليست ثمنًا مقبولًا لأي إنجاز
وأن العودة الآمنة جزء من النجاح لا نقيض له هذا الخطاب يخلق ولاءً عميقًا وثقة متبادلة، لأن رجال الطوارئ يعرفون أن قائدهم لا يراهم أدوات
بل بشرًا في مواجهة أقسى الظروف في هذه اللحظة، تتماسك الفرق أكثر، وتعمل بدقة أعلى، لأن الخوف حين يُعترف به يتحول إلى حذر
والحذر حين يُدار يتحول إلى احتراف
مع اقتراب الحادث من السيطرة أو التحول إلى مرحلة الاحتواء، يبدأ القائد في التفكير فيما بعد النار
لا بعدها فقط يعرف أن ما بعد الحادث في الطوارئ الجوية قد يكون أخطر من الحادث نفسه: الإعلام، التحقيقات، الصدمة النفسية
الإرهاق المتراكم، والأسئلة التي ستُطرح لذلك يبدأ مبكرًا في تثبيت الرواية المهنية، لا للدفاع، بل للحقيقة يحرص على توثيق القرارات
وتسجيل التوقيتات، وحماية الفرق من جلد الذات أو الاتهام العشوائي
وعندما يخمد اللهب، لا تنتهي القيادة بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا قائد الطوارئ الجوية يجمع فريقه ذهنيًا
حتى لو لم يجمعهم جسديًا يراجع معهم ما حدث دون قسوة ودون تبرير، يبحث عن نقاط القوة قبل نقاط الضعف،
ويحوّل التجربة إلى معرفة متراكمة لا إلى عبء نفسي يعرف أن كل حادث، مهما كان قاسيًا، يحمل درسًا إنسانيًا ومهنيًا،
وأن القائد الحقيقي لا يخرج من الحادث بسلام فقط، بل يخرج منه أعمق فهمًا وأقل غرورًا وأكثر تواضعًا أمام قوة اللحظة
في النهاية، قائد الطوارئ الجوية ليس بطلًا سينمائيًا ولا صوتًا عاليًا في غرفة عمليات، بل عقلًا هادئًا في قلب الفوضى
وضميرًا حيًا في لحظة اختبار، وإنسانًا يدرك أن القيادة في السماء تبدأ من الأرض، من وعيٍ يعرف أن كل قرار
قد يحمل حياة، وأن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من ألف أمر، وأن أعظم إنجاز في الطوارئ الجوية هو
أن تنتهي الكارثة دون أن يفقد القائد إنسانيته أو يفقد الفريق ثقته بنفسه
