سلسة مقالات طورائ الإطفاء

قراءة حرائق المباني المرتفعة

قراءة حرائق المباني المرتفعة تمثل أحد أكثر التحديات تعقيدًا في علوم الإطفاء والسلامة الوقائية، فهي لا تعتمد فقط على مشاهدة اللهب أو تقدير حجم الدخان، بل تقوم على تحليل بيئة رأسية معقدة تتداخل فيها العوامل الإنشائية والهوائية والبشرية والتقنية في هذا النوع من الحرائق، يتحول الارتفاع من مجرد بعد هندسي إلى عنصر مؤثر في سلوك النار وانتشارها، ما يجعل عملية القراءة الدقيقة للحريق مسألة حياة أو موت

تُعرِّف المعايير الدولية المبنى المرتفع بأنه أي مبنى يتجاوز ارتفاعًا لا تستطيع معدات الإطفاء الأرضية الوصول إليه بفعالية، وغالبًا ما يُحدد هذا الارتفاع بحوالي 23 مترًا وفق معايير National Fire Protection Association في هذه المباني، تختلف ديناميكية الحريق جذريًا عن المباني المنخفضة، لأن الحركة الرأسية للحرارة والدخان تكون أسرع وأكثر خطورة نتيجة ما يُعرف بتأثير المدخنة، حيث يرتفع الهواء الساخن بسرعة عبر الفتحات الرأسية مثل آبار المصاعد ومجاري الخدمات

أولى خطوات قراءة الحريق تبدأ بتحليل الدخان فالدخان هو المؤشر المبكر على مرحلة الحريق وشدته لون الدخان وكثافته وسرعة حركته تعكس طبيعة المواد المحترقة ومستوى التهوية داخل الطابق في المباني المرتفعة قد يُلاحظ تصاعد الدخان من طوابق أعلى من موقع الحريق الفعلي بسبب الضغط الداخلي وحركة الهواء، ما يتطلب تقييمًا دقيقًا قبل اتخاذ قرار الهجوم كما أن وجود ضغط إيجابي داخل الممرات أو السلالم قد يشير إلى عمل نظام التحكم في الدخان، أو إلى خلل في نظام التهوية

من الناحية التكتيكية، يعتمد التعامل مع حرائق المباني المرتفعة غالبًا على استخدام أنظمة الأنابيب الرأسية (Standpipe Systems)، حيث يتم التمركز بطابق أسفل الحريق بطابق واحد لتشكيل نقطة هجوم آمنة هذا الإجراء يحقق توازنًا بين سرعة التدخل وضمان وجود مسار انسحاب آمن في هذا السياق، تصبح قراءة سلامة السلالم وأنظمة الرش الآلي ذات أهمية قصوى، إذ إن تعطلها قد يغير استراتيجية المواجهة بالكامل

الزمن عنصر حاسم في هذه الحرائق فالوصول إلى الطوابق العليا يستغرق وقتًا أطول، وخلال هذا الوقت يستمر الحريق في التطور لذلك يجب أن تكون قراءة الحريق استباقية، أي مبنية على توقع تطوره خلال الدقائق القادمة، وليس فقط على وضعه الحالي القائد الميداني الناجح هو من يضع تصورًا ديناميكيًا لمسار النار والدخان، ويُعد خطته وفق أسوأ الاحتمالات

تلعب الأنظمة الهندسية دورًا محوريًا في قراءة الحريق أنظمة الإنذار، الرش الآلي، التحكم في الدخان، وضغط السلالم كلها عناصر تؤثر على سلوك الحريق في بعض الأبراج الحديثة في مدن مثل دبي، تعتمد السلامة على تكامل هذه الأنظمة بشكل كبير، ما يفرض على رجال الإطفاء فهمًا عميقًا للبنية التقنية للمبنى قبل وأثناء التدخل

كما أن نوع الهيكل الإنشائي يؤثر في مسار الحريق المباني ذات الهياكل الفولاذية تتأثر سريعًا بالحرارة العالية، بينما تمنح الخرسانة المسلحة مقاومة زمنية أطول، لكنها قد تخفي تمدد الحرارة داخل الجدران أما الواجهات الخارجية، خاصة إذا كانت تحتوي على مواد قابلة للاشتعال، فقد تنقل النار من طابق إلى آخر عبر الواجهة، وهو سيناريو خطير يتطلب مراقبة خارجية مستمرة

العامل البشري لا يقل أهمية عن العوامل الفنية في المباني المرتفعة قد يواجه رجال الإطفاء حالات إخلاء معقدة تشمل كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو أشخاصًا محاصرين في طوابق عليا قراءة سلوك القاطنين، ومدى انتشار الذعر، وحالة أنظمة الإرشاد الصوتي، كلها عناصر تدخل ضمن التقييم الشامل للحادث

ولا تنتهي القراءة بإخماد اللهب فمرحلة ما بعد السيطرة تتطلب فحصًا دقيقًا لاحتمال إعادة الاشتعال داخل الجدران أو الأسقف المستعارة، إضافة إلى تقييم الأضرار الإنشائية التي قد لا تكون ظاهرة للعين المجردة كما أن إدارة التهوية اللاحقة يجب أن تتم بحذر لتفادي إعادة تنشيط بؤر ساخنة

ختامًا، قراءة حرائق المباني المرتفعة ليست مجرد مهارة تقنية، بل هي عملية تحليل متكاملة تجمع بين العلم والخبرة والتخطيط الاستراتيجي إنها فهم عميق لسلوك النار في بيئة رأسية، وتقدير دقيق لعوامل الزمن والضغط والإنشاء والبشر وكلما ازداد ارتفاع المبنى، ازدادت الحاجة إلى عقل قيادي قادر على التفكير المسبق واتخاذ القرار تحت ضغط شديد، لأن النجاح في هذا النوع من الحرائق لا يعتمد فقط على قوة الإطفاء، بل على دقة القراءة منذ اللحظة الأولى