سلسة مقالات طورائ الإطفاء

كيف يفكّر قائد أمن المطار؟

قائد أمن المطار لا يفكّر بطريقة تقليدية، ولا يتحرك بمنطق “ردّ الفعل” هو عقل يعمل في طبقات متزامنة، يرى ما لا يُرى، ويحسب ما لم يحدث بعد، ويتعامل مع المطار ككائن حيّ إذا اختلّ توازنه لحظة، انهارت منظومة كاملة تفكيره ليس أمنيًا فقط، بل نفسي، تشغيلي، استراتيجي، وإنساني في آنٍ واحد

أولًا يفكّر في المطار كمنظومة سيادية لا كمبنى

قائد أمن المطار لا يرى صالات وسياجات وكاميرات، بل يرى سيادة

المطار عنده نقطة تماس بين الدولة والعالم، وكل مسافر يعبره يحمل احتمالات خطر،

خطأ، ضغط، أو أزمة لذلك يتعامل مع الأمن باعتباره حماية للهوية والسيطرة

والسمعة الدولية، لا مجرد منع اختراق

هو يدرك أن أي حادث – مهما بدا بسيطًا – قد يتحول إلى أزمة سياسية أو اقتصادية

أو إعلامية، لذلك يفكّر دائمًا

كيف سيُفهم ما يحدث؟ وليس فقط كيف سيحدث

ثانيًا يفكّر بالزمن لا بالحدث

قائد أمن المطار لا يسأل ماذا يحدث الآن؟بل يسأل دائمًا

ماذا كان يجب أن أراه قبل عشر دقائق؟

ماذا سيحدث بعد عشر دقائق إن أخطأت القرار الآن؟ تفكيره زمنيّ، لأنه يعلم أن

الزمن في المطار سلاح ، التأخير يولّد توتر

التوتر يولّد سلوكيات خطرة والسلوكيات الخطرة تولّد أزمات أمنية

لذلك هو يدير الإيقاع إيقاع التفتيش، إيقاع الحركة، إيقاع الاستجابة،

وحتى إيقاع التواصل مع الجمهور

ثالثًا يفكّر في الإنسان قبل الإجراء

قائد أمن المطار يعرف أن الخطر لا يأتي دائمًا من “إرهابي” أو “مخالف”، بل أحيانًا من

مسافر مرهق ، موظف مضغوط، ضابط متوتر

فريق يعمل فوق طاقته، لذلك تفكيره يبدأ من سؤال خفي

من سينهار أولًا؟

هو يراقب الحالة النفسية للعناصر كما يراقب الشاشات، لأن أي عنصر أمني فاقد للتركيز

أخطر من جهاز معطل

رابعًا يفكّر بالاحتمالات لا بالسيناريو الواحد

قائد أمن المطار لا يخطط لسيناريو مثالي، بل لأسوأ احتمال

هو يفكّر دائمًا بنظام ، ماذا لو كان البلاغ كاذبًا؟

ماذا لو كان صحيحًا جزئيًا؟، ماذا لو كان خداعًا لصرف الانتباه؟

ماذا لو تطور إلى أزمة متعددة المحاور؟، تفكيره احتمالي، وليس خطيًا

لا يثق في أول تفسير، ولا يطمئن لأول هدوء

خامسًا يفكّر في القرار كأثر لا كأمر

عندما يتخذ قرارًا، لا يسأل فقط، هل القرار صحيح؟

بل يسأل كيف سيؤثر على حركة الطيران؟ كيف سيؤثر على الركاب؟، كيف سيؤثر على صورة المطار؟

كيف سيؤثر على الفريق بعد ساعة؟ وبعد يوم؟

هو يعرف أن القرار الأمني في المطار له ذيل طويل، وأن الأثر أحيانًا أخطر من الحدث نفسه

سادسًا يفكّر في الصمت بقدر ما يفكّر في القوة

قائد أمن المطار الحقيقي لا يلوّح بالقوة دائمًا

هو يعرف متى يتدخل، ومتى يراقب، ومتى يترك الحدث يهدأ

يفهم أن

الإفراط في الظهور يولّد خوفًا

والخوف يولّد فوضى

والفوضى تُعمي الأنظمة الذكية

لذلك أحيانًا يكون أفضل قرار أمني هو عدم التصعيد

سابعًا يفكّر في الاتصال قبل الطوارئ لا أثناءها

في الأزمات، لا يوجد وقت لتعليم الناس كيف يتواصلون قائد أمن المطار يبني

لغة مشتركة، قنوات واضحة، ثقة داخلية، قبل أن تقع الأزمة

لأنه يعلم أن الفشل في الاتصال لحظة الطوارئ أخطر من نقص المعدات

ثامنًا يفكّر في نفسه كآخر خط دفاع

قائد أمن المطار لا يضع نفسه في الواجهة دائمًا، لكنه يعلم أنه

آخر من يملك الصورة الكاملة، آخر من يتحمل المسؤولية

آخر من يجب أن ينهار

لذلك يفكّر بعقله أكثر مما يتكلم، ويزن قراراته بميزان الدولة لا بميزان اللحظة

خاتمة

قائد أمن المطار لا يفكّر كحارس، ولا كمدير وردية، ولا كضابط إجراءات

هو يفكّر كمن يحمل المطار كله في رأسه… في كل ثانية

يعرف أن

الخطأ الصغير قد يشلّ منظومة كبرى والقرار الهادئ قد يمنع أزمة عالمية

ولهذا، تفكيره ليس صاخبًا…بل دقيق، بارد، إنساني، واستباقي