ليست كل الجرائم وليدة الشر الخالص،
ولا كل المآسي تبدأ بنيّة فاسدة.
أحيانًا… تبدأ بخطأ صغير،
يتكرر،
فيكبر،
حتى ينفجر.
قصة يوسف ليست حكاية إخوة أشرار فقط،
ولا قصة نبي مظلوم فحسب،
بل قصة بيتٍ اختل فيه ميزان العدل،
فدفع الجميع الثمن.
يوسف لم يكن المشكلة
يوسف لم يطلب أن يكون محبوبًا أكثر.
لم يسعَ ليكون مميزًا بين إخوته.
كان طفلًا… رأى حلمًا،
وحمل قلبًا نقيًا،
فوجد نفسه في قلب صراع لم يصنعه.
المشكلة لم تكن يوسف،
بل المكانة التي وُضع فيها.
هل أخطأ يعقوب؟
السؤال صعب،
لكن تجاهله أصعب.
يعقوب نبي،
لكن النبوة لا تُلغي البشرية،
ولا تمنع الخطأ التربوي.
الحب القلبي لا يُحاسَب عليه الإنسان،
لكن إظهار التفضيل داخل بيت مليء بالأبناء
ليس حبًا… بل مخاطرة.
حين يرى الأب أحد أبنائه بعين،
ويرى الآخرين بعين أقل دفئًا،
فهو لا يزرع محبة…
بل يزرع مقارنة،
والمقارنة تلد الغيرة،
والغيرة إذا تُركت… تتحول إلى حقد.
الإخوة: شياطين أم بشر؟
هل كانوا مخطئين؟
نعم.
هل كانوا مذنبين؟
بلا شك.
لكن…
هل كانوا شياطين؟
أم بشرًا عاشوا سنوات من الإقصاء الصامت؟
كل نظرة تفضيل،
كل كلمة غير متوازنة،
كل إحساس بأن “أبانا لا يرانا كما يراه”
كانت تُراكم داخلهم غضبًا مكتومًا.
الإنسان لا يولد مجرمًا،
بل يُدفع أحيانًا إلى حافة لا يعرف كيف يعود منها.
لماذا لم يقتلوه؟
سؤال نادرًا ما يُطرح.
لو كان الشر خالصًا في قلوبهم،
لما اكتفوا بالجب.
لكنهم اختاروا الإبعاد لا الإبادة،
الإقصاء لا القتل.
وهنا تتجلى الحقيقة المؤلمة:
لم يريدوا موت يوسف،
بل أرادوا زوال التفرقة.
يوسف… الضحية التي حملت خطايا الجميع
يوسف كان ثمن أخطاء غيره.
ثمن غيرة إخوة،
وثمن تمييز أبوي غير محسوب.
وفي كثير من البيوت،
يُلقى “يوسف جديد” في جبٍّ معنوي:
•طفل منطوي
•أخ مكسور
•أو إنسان يحمل جرحًا لا يُرى
حين يتدخل القدر
هنا فقط،
ينقلب المشهد.
البشر أخطأوا،
لكن الله لم يترك الخطأ بلا معنى.
من الجب خرجت الحكمة،
ومن الظلم خرج التمكين،
ومن الألم وُلدت رسالة أعظم.
ليس تبريرًا للذنب،
بل تحويلًا له إلى درس.
لم يكن إخوة يوسف أبرياء،
لكنهم لم يكونوا وحدهم الجناة.
ولم يكن يعقوب قاسيًا،
لكن التفرقة… كانت خطأً قاتلًا.
السؤال الحقيقي ليس:
من ألقى يوسف في الجب؟
بل:
كم يوسفًا نلقيه اليوم في آبارٍ صامتة،
باسم الحب،
وباسم القرب،
وباسم “هو الأقرب إلى قلبي”؟
وفي كل بيت يُفضَّل فيه ابن،
تبدأ قصة جديدة…
قد لا تنتهي بنبي،
ولا بملك،
بل بإنسانٍ مكسور لا يعرف
لماذا لم يكن كافيًا أبدًا
